واصف جوهرية

مقدمة 22

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

الخدمة المدنية العثمانية ومؤسسات المدينة . وكما ورد سابقا ، كان جريس عضوا بارزا في الطائفة المسيحية الأرثوذكسية ومندوبا إلى مجلس المدينة أيضا . لكن بقية العائلة مرت ، كما يبدو ، بعدد من المهن الأكثر تواضعا من جهة أخرى . ففي مرحلة ما يشير إلى جدّه أنه حذّاء أو دبّاغ . وأخوه الأكبر خليل تلقّن مهنة النجارة كمتدرب قبل أن يجند في الجيش العثماني . وواصف نفسه عمل في عدد من الوظائف غير النظامية ، بما فيها ، لفترة قصيرة ، مساعد حلاق قبل أن يتحول إلى عازف عود ومغنّ متجول في الأعراس . وليس واضحا ما إذا كان يتلقى أجرا على ذلك ، إلّا إن مرتبه الأساسي كان مبدئيا من عمله في الخدمة المدنية ، العثمانية والبريطانية . والأكيد أن العائلة لم تكن سعيدة بمهنته كموسيقي ، وأرادت منه أن يستقر في وظيفة محترمة أكثر . ولاحقا ، تحسنت أوضاع العائلة المالية كثيرا ، عندما أصبح الأب محاميا بارزا . وكان خليل يملك مقهى ناجحا بالقرب من باب الخليل ، وأمّا واصف فالتحق بالخدمة الحكومية . ويمكننا القول ، بشيء من الثقة ، إن أبناء العائلة كانوا يتحركون في ذلك المجال غير المستقر بين العمل الحرفي والمراتب الوسيطة في الوظائف الحكومية . ويتضح من الوصف المفصّل للمراسم التي رافقت جنازة الأب جريس أن العائلة حققت مكانة اجتماعية متقدمة في البلدة القديمة قبل الحرب العظمى . وفي أية حال ، كان أفراد العائلة يعتبرون أنفسهم من أبناء المدينة الأصيلين ، واتخذوا موقفا استعلائيا ، وإن يكن أبديا ، تجاه الفلاحين من أبناء القرى المجاورة ، الذين أصبحت للوالد والابن معاملات واسعة النطاق معهم . إلّا إنه لا يمكن فهم موقع آل جوهرية في فلسطين ، ما قبل الانتداب ، من دون معاينة العلاقة الوطيدة التي كانت تربطهم بعائلة الحسيني المقدسية ، التي كان أفرادها أصحاب أملاك إقطاعيين وأشرافا من الحلقة الداخلية لأعيان المدينة . وكان جريس أمضى جزءا من مسيرته المهنية الأولى مشرفا على أطيان آل الحسيني في قرى غربي القدس ، وخصوصا في قرية دير عمرو . وكان حسين أفندي ، رئيس بلدية القدس لاحقا ، " تبنى " واصف بعد موت أبيه . وقد وظّفه حسين أفندي في عدد من الوظائف في المدينة ، وضمن له معاملة جيدة في الجيش العثماني . وكانت العائلة على علاقة حميمة بأولياء نعمتها إلى حدّ أن عهد إلى واصف بالعناية بخليلة حسين أفندي ، برسفون ، عندما أصابها المرض . إن الصورة التي يرسمها واصف للحياة اليومية في محلة السعدية ( الواقعة بين باب الساهرة وطريق الآلام ) ، خلال العقد الأول من القرن الماضي ، تشكل إحدى أكثر الوثائق قيمة عن الحياة الفلسطينية المدينية ، على الإطلاق . والوصف يوفر مصدرا أوليا من الدرجة الأولى بالنسبة إلى المؤرخ الاجتماعي والباحث الإثنوغرافي . والتحولات التي أدت إلى برجزة أنساق الحياة العائلية مصنفة زمنيا ، وموصوفة بالتفصيل الدقيق . وتعزّز رؤية جوهرية الذهنية لتقسيمات أحياء القدس ، وكذلك تحديد التخوم بين الجماعات السكانية التي كانت قائمة في شبابه ، اعتقادنا أن تقسيم المدينة إلى أربعة أحياء طائفية لم يكن يتوافق مع العرف السائد في زمنه وإنما كان تطورا لاحقا . وقد وضع البريطانيون الحدود الجديدة لأغراض المحافظة على التقسيمات بين سكان المدينة على أساس إيجاد توازن طائفي حديث بين المجموعات الطائفية والإثنية الأربع . وكان أساس هذا التوازن الحفاظ على الوضع القائم في إدارة الأماكن المقدسة ، التي جرى التفاهم بشأنها في أواخر العهد العثماني ، وجرى تفصيلها وتدوينها في بداية حكم الانتداب على المدينة . واليوميات تتحدى ضمنا هذا المفهوم المبسط لتركيب الأحياء ، القائم على تنظيم العلاقة بين المقدسيين على أساس بيئتهم الدينية والإثنية . وفي تصوير واصف للحياة اليومية في أزقة البلدة القديمة ، يسترعي انتباهنا ضعف ذلك المفهوم على صعيدين : واحد يوحي بأنه لم يكن هناك تطابق واضح بين الأحياء والديانة ؛ فنحن